
الطفولة منبت الإنسان وبها يتشكل سلوكه النفسي ، لاسيما في المراحل الأخيرة من الطفولة ومرحلة المراهقة لذا فإن الاهتمام بالتنشئة النفسية للطفل أساس علم التربية ،فالطفل يشاهد ويقارن ، وربما تترك واقعة معينة في مرحلة الطفولة أثرا في نفس الإنسان لا ينفك عنه حتى آخر لحظة في حياته.
كنت طفلا هادئاً مطيعاً وفي الوقت ذاته محب للمغامرة والاستطلاع. نشأت في بيت هادئ رغم كثرة إخوتي ؛ فالهدوء قائم على الاستقرار وندرة الصراعات ، وتعرفت بأصدقاء لهم نفس الصفات تقريبا غير أني كنت متميزا بحبي للإصلاح فكنت أدعوهم للصلاة والتزام الأخلاق الحميدة ، ولكني كنت قليل الكلام كثير التفكر.
ثمّ هبـّت العاصفة التي بدّلت الهدوء بالاضطراب والأمن بالخوف والثقة بالشك .. إنه الظلم .. وما أشد الظلم على طفل بهذه الصفات.
ففي يوم بذلك الحي الهادئ وحيث يلعب الأطفال انطلقت صخرة صغيرة لتذهب بنور إحدى عينيّ فتاة في مثل عمرنا ، وانطلقت أمها بحثا عن من تسبب بضياع أمل ابنتها في أن تحيا كأترابها ؛ فانطلقت ثائرة كالقطة حينما تشعر بالخطر يقترب من أبنائها.
المدهش في الأمر أني لم أكن موجودا حينها ولكن حين لم يجدني الأطفال بينهم أراد كل منهم أن يبعد الشبهة عن نفسه باتهام من لم يكن موجودا حينها فوقع الاتهام عليّ أنا واثنين من أصدقائي.
وليس باستطاعتي أن أنسى مشهدين كان لكل منهما أثر كبير في تعميق شعوري بالظلم.
أولهما حين أتت الأم إلى بيتنا تتهمني وتحاول التوقيع بيني وبين صديقيّ حتى يعترف أحدنا على آخر ، حينها وجدت رجلاي ترتعشان حتى كدت أسقط وأسناني يضرب بعضها بعضا حتى ظننت أنها سوف تتكسر وقلبي ينبض وكأنه يريد الخروج من جوفي وظللت أحبس دموع عينيّ وأجاهد نفسي على الحديث حتى يتسنى لي الدفاع عن نفسي وعن صديقيّ.
والمشهد الثاني حينما أخذني أبي لنيابة الأحداث بناءاً على خطاب وصلنا منهم يطلبوننا فيه للتحقيق وكان معنا أحد الصديقين اللذين تم اتهامهما معي ومعه أباه أيضا ، أما الآخر فكان أبوه رجل أعمال له علاقات ونفوذ فلم يستجب لطلب التحقيق وقام باستصدار شهادة لابنه تدل على أنه كان موجودا في أحد فنادق الإسكندرية ليلة الحادث.
وحينما دخلت مقر نيابة الأحداث بإحدى ضواحي الجيزة وكان أقل ما يوصف به أنه مكان قذر ؛ وجدت به أطفالا في مثل عمري تقريبا ولكنهم ليسوا مثلي فقد حكم عليهم آباؤهم أن يعيشوا في العراء يتسولون ويسرقون ويأكلون بواقي الطعام حتى ينشأوا وحوشا تنشر الذعر في المجتمع.
فهذا طفل تشوّه نصف وجهه ، وآخر يلبس ثيابا قد غطاها سواد القذارة ، وغيره قد تقطعت ثيابه فلم يبق منها سوى ما يستر عورته ، وعلى جانب الحائط خمسة أطفال يتقاسمون شرب الدخان في "سيجارة" واحدة.
فكـّرت كثيرا ماذا سأفعل لو ألصقوا بي التهمة؟ هل سأعيش مع هذه الوحوش الصغيرة؟ هل سأكون مثلهم؟ كيف لي أن أعيش في مكان بهذه القذارة؟ أو أن أتعامل مع أناس بهذه الرائحة الكريهة؟
فكـّرت حينها في الهرب ، ولكن إلى أين؟ فهم يعرفون منزلي وهذا أبي قد أتى بي إلى هنا حتى لا يأخذوني عـُنوة ، فهل سوف أهرب من البيت؟ إنني إن فعلت ذلك لأصبحت مثل أولئك الأطفال المتوحشين.
وبروح مُحبـّة للخيال ومُحبـّة للإصلاح تخيلت نفسي بين أولئك الأطفال آخذ بأيديهم وأقوم بإرشادهم وتقويمهم وأعمل على إصلاحهم.
وأفقت من خيالي حين دعوني لأدخل على المحقق الذي لم يسمح لي بالجلوس ، بل إن كاتبه صرخ في وجهي حتى أقف مستقيما ، ثم بدأت ساعتان من التحقيق المرهق مع مجرم لم يكن موجودا بموقع الجريمة وطفل تعوّد أن يعامله الآخرون بحنان واهتمام فشعرت بتعب شديد حتى كدت أسقط مغشيّا عليّ.
وفي أثناء التحقيق معي دخل مكتب المحقق رجل بدين يجرّ في يده طفلا مهلهل الثياب يتهمه الرجل بسرقة مصابيح من سطح منزله ، فهب المحقق في وجه الطفل ينهره ويقذفه بأفظع الشتائم وألعن السباب والطفل يبكي ويسترحمه ، ولكن لا فائدة ، فقد أمر أحد الجنود بحبس الطفل.
صحيح أنه لم يعاملني بنفس الطريقة ولم يقذفني بالشتائم والسباب ؛ فشكلي وملابسي ووجود والدي معي بالخارج عوامل تفرض عليه معاملة مختلفة ، ولكني نقمت عليه بشدة ، لماذا يعامل ذلك الطفل بهذه القسوة ويسب أباه وأمه ولمّا يتحقق من ثبوت التهمة عليه بعد.
وبعد أن فرغ من التحقيق معي قام بالتحقيق مع صديقي ، ثم كتب والدانا إقراراً حتى يتسنى لهما أن يأخذانا إلى البيت ، وتوالت الإعلانات والجلسات والاضطرابات حتى انتهت القضية بحمد الله.
ولكن انظر إلى طفل في الحادية عشرة يتعرض لهذا الظلم ويواجه هذا الموقف العصيب وهو طفلٌ حالمٌ هادئٌ خيالي. كيف يمكن أن تؤثر عليه واقعة كهذه وما الأثر الذي يمكن أن تتركه فيه.
عندما أنظر لذلك الموقف بعد سنوات عديدة أجد طفلا مندهشا يتساءل هل ي فرد أن يتهم غيره بتهمة فيـُُفعل به هكذا ، وأجد طفلا ناقما على هذا البلد الذي يتعرض فيه كثير من الناس للظلم وعلى آباء وأمهات أولئك الأطفال المشردين وعلى ذلك المحقق وأمثاله ممن يهدرون كرامة الناس حتى قبل أن يتيقنوا من إدانتهم ، وأجد طفلا حزينا لم يفارقه الحزن حتى صار شابا ولا أظنه سيفارقه يوما...
كنت طفلا هادئاً مطيعاً وفي الوقت ذاته محب للمغامرة والاستطلاع. نشأت في بيت هادئ رغم كثرة إخوتي ؛ فالهدوء قائم على الاستقرار وندرة الصراعات ، وتعرفت بأصدقاء لهم نفس الصفات تقريبا غير أني كنت متميزا بحبي للإصلاح فكنت أدعوهم للصلاة والتزام الأخلاق الحميدة ، ولكني كنت قليل الكلام كثير التفكر.
ثمّ هبـّت العاصفة التي بدّلت الهدوء بالاضطراب والأمن بالخوف والثقة بالشك .. إنه الظلم .. وما أشد الظلم على طفل بهذه الصفات.
ففي يوم بذلك الحي الهادئ وحيث يلعب الأطفال انطلقت صخرة صغيرة لتذهب بنور إحدى عينيّ فتاة في مثل عمرنا ، وانطلقت أمها بحثا عن من تسبب بضياع أمل ابنتها في أن تحيا كأترابها ؛ فانطلقت ثائرة كالقطة حينما تشعر بالخطر يقترب من أبنائها.
المدهش في الأمر أني لم أكن موجودا حينها ولكن حين لم يجدني الأطفال بينهم أراد كل منهم أن يبعد الشبهة عن نفسه باتهام من لم يكن موجودا حينها فوقع الاتهام عليّ أنا واثنين من أصدقائي.
وليس باستطاعتي أن أنسى مشهدين كان لكل منهما أثر كبير في تعميق شعوري بالظلم.
أولهما حين أتت الأم إلى بيتنا تتهمني وتحاول التوقيع بيني وبين صديقيّ حتى يعترف أحدنا على آخر ، حينها وجدت رجلاي ترتعشان حتى كدت أسقط وأسناني يضرب بعضها بعضا حتى ظننت أنها سوف تتكسر وقلبي ينبض وكأنه يريد الخروج من جوفي وظللت أحبس دموع عينيّ وأجاهد نفسي على الحديث حتى يتسنى لي الدفاع عن نفسي وعن صديقيّ.
والمشهد الثاني حينما أخذني أبي لنيابة الأحداث بناءاً على خطاب وصلنا منهم يطلبوننا فيه للتحقيق وكان معنا أحد الصديقين اللذين تم اتهامهما معي ومعه أباه أيضا ، أما الآخر فكان أبوه رجل أعمال له علاقات ونفوذ فلم يستجب لطلب التحقيق وقام باستصدار شهادة لابنه تدل على أنه كان موجودا في أحد فنادق الإسكندرية ليلة الحادث.
وحينما دخلت مقر نيابة الأحداث بإحدى ضواحي الجيزة وكان أقل ما يوصف به أنه مكان قذر ؛ وجدت به أطفالا في مثل عمري تقريبا ولكنهم ليسوا مثلي فقد حكم عليهم آباؤهم أن يعيشوا في العراء يتسولون ويسرقون ويأكلون بواقي الطعام حتى ينشأوا وحوشا تنشر الذعر في المجتمع.
فهذا طفل تشوّه نصف وجهه ، وآخر يلبس ثيابا قد غطاها سواد القذارة ، وغيره قد تقطعت ثيابه فلم يبق منها سوى ما يستر عورته ، وعلى جانب الحائط خمسة أطفال يتقاسمون شرب الدخان في "سيجارة" واحدة.
فكـّرت كثيرا ماذا سأفعل لو ألصقوا بي التهمة؟ هل سأعيش مع هذه الوحوش الصغيرة؟ هل سأكون مثلهم؟ كيف لي أن أعيش في مكان بهذه القذارة؟ أو أن أتعامل مع أناس بهذه الرائحة الكريهة؟
فكـّرت حينها في الهرب ، ولكن إلى أين؟ فهم يعرفون منزلي وهذا أبي قد أتى بي إلى هنا حتى لا يأخذوني عـُنوة ، فهل سوف أهرب من البيت؟ إنني إن فعلت ذلك لأصبحت مثل أولئك الأطفال المتوحشين.
وبروح مُحبـّة للخيال ومُحبـّة للإصلاح تخيلت نفسي بين أولئك الأطفال آخذ بأيديهم وأقوم بإرشادهم وتقويمهم وأعمل على إصلاحهم.
وأفقت من خيالي حين دعوني لأدخل على المحقق الذي لم يسمح لي بالجلوس ، بل إن كاتبه صرخ في وجهي حتى أقف مستقيما ، ثم بدأت ساعتان من التحقيق المرهق مع مجرم لم يكن موجودا بموقع الجريمة وطفل تعوّد أن يعامله الآخرون بحنان واهتمام فشعرت بتعب شديد حتى كدت أسقط مغشيّا عليّ.
وفي أثناء التحقيق معي دخل مكتب المحقق رجل بدين يجرّ في يده طفلا مهلهل الثياب يتهمه الرجل بسرقة مصابيح من سطح منزله ، فهب المحقق في وجه الطفل ينهره ويقذفه بأفظع الشتائم وألعن السباب والطفل يبكي ويسترحمه ، ولكن لا فائدة ، فقد أمر أحد الجنود بحبس الطفل.
صحيح أنه لم يعاملني بنفس الطريقة ولم يقذفني بالشتائم والسباب ؛ فشكلي وملابسي ووجود والدي معي بالخارج عوامل تفرض عليه معاملة مختلفة ، ولكني نقمت عليه بشدة ، لماذا يعامل ذلك الطفل بهذه القسوة ويسب أباه وأمه ولمّا يتحقق من ثبوت التهمة عليه بعد.
وبعد أن فرغ من التحقيق معي قام بالتحقيق مع صديقي ، ثم كتب والدانا إقراراً حتى يتسنى لهما أن يأخذانا إلى البيت ، وتوالت الإعلانات والجلسات والاضطرابات حتى انتهت القضية بحمد الله.
ولكن انظر إلى طفل في الحادية عشرة يتعرض لهذا الظلم ويواجه هذا الموقف العصيب وهو طفلٌ حالمٌ هادئٌ خيالي. كيف يمكن أن تؤثر عليه واقعة كهذه وما الأثر الذي يمكن أن تتركه فيه.
عندما أنظر لذلك الموقف بعد سنوات عديدة أجد طفلا مندهشا يتساءل هل ي فرد أن يتهم غيره بتهمة فيـُُفعل به هكذا ، وأجد طفلا ناقما على هذا البلد الذي يتعرض فيه كثير من الناس للظلم وعلى آباء وأمهات أولئك الأطفال المشردين وعلى ذلك المحقق وأمثاله ممن يهدرون كرامة الناس حتى قبل أن يتيقنوا من إدانتهم ، وأجد طفلا حزينا لم يفارقه الحزن حتى صار شابا ولا أظنه سيفارقه يوما...
انت رائع يا محمد ......... ربنا يبارك فيك
ردحذفsorry for that bad experience
ردحذفBut I hope you change your thought about sorrow, as if you really think you'll not separate from
that sorrow, surely you'll not
Don't judge all coming experiences with this only, m3 enaha fe3ln mo2asera w ma2sawya, bs 7ram 3leek e7sask da
Tb3n , el essay to7fa