تحدثت سورة التكوير عن الوحي الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق رسول قوي أمين لتثبت أنه الحق الذي أنزله الله لهداية البشر في آيات قصيرة وفاصلة ذات نغم يأخذ القلوب ، حتى طرحت السؤال الذي لم ولن يستطع أحد الإجابة عليه مهما بلغ علمه وقوته ، إنه سؤالٌ بسيط من كلمتين "فأين تذهبون" التكوير 26. ولكن له دلالة عظيمة أجملت في هذه الآية وفُصّلت في سورٍ أخرى.
فالله يطرح علينا السؤال الأهم في حياتنا ، إذا قررتم عدم الأخذ بمنهج الوحي الذي أنزله خالقكم العزيز الحكيم فأيُ شئ تأخذون؟ وأي منهجٍ تتبّعون؟ وإلى أين أنتم ذاهبون؟ وإن نالكم غضب الله فإلى من تجأرون؟
وقد تحدثت آيات القرآن كثيراً حول هذا المعنى بما يعجز أي مخلوق عن مواجهته فتجد مثلاً في سورة المائدة يستنكرُ انصراف بعض الناس إلى مناهجهم الوضعية فيقول "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" المائدة 50. فكيف ارتضت هذه العقول أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وأن تدّعي علماً يفوق علم الله الذي أعطى كل شئٍ خلقه ثمّ هدى.
وترى آية أخرى تبعث رسالة لمن يتحجج بأن الظروف قد تغيرت والعلم قد تطوّر فيقول لهم " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" الملك 14. فلا يستطيعُ عاقلٌ أن يقول أن الله الخالق لا يعلمُ بهذه الظروف وتلك العلوم.
ويتعجّبُ القرآن من هؤلاء الفارّين من وحي الله فيشبههم بالفريسة التي تهرب من مفترسها "كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ(51)" المدّثر
لقد جرّبت البشرية مناهج مختلفة فُتن الناس بها في بداية الأمر ومضوا خلفها فما لبثت أن أثبتت فشلها بما جرّت البشريةُ إليه من ويلات ؛ فالاشتراكية خربت دولاً في تاريخنا القريب ، والرأسمالية خربت النفوس وبدأت في الانهيار مع الأزمات المالية المتلاحقة ، وفشلت القوانين الوضعية في ضبط سلوك الناس ، أمَا منهج الله فقد بنى حضارة ارتقت بالروح والمادة جميعا ولم يتخلف المسلمون إلا حينما انصرفوا عن منهج ربهم طمعاً في نهضة مزعومة في مناهج الغرب والشرق.
وقد نادى الله على البشر وأعطاهم الحل فقال لهم "ففروا إلى الله" الذاريات 50. فلا سبيل إلى النجاة إلا بالعودة إليه ، ولا فرار منه إلا إليه.
سوف يتهمُني أصدقائي المفتونون بالعلمانية والليبرالية كالعادة أني أقحم القرآن في السياسة حتى أفوز بقلوب العامة على حساب أصواتهم التي لا تستند إلى ركن شديد كالقرآن والسنة ، سأقول لهم وبلا تردد: هذه بضاعتنا ، فأين بضاعتكم؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق