أعلم أن كثيرا ممن قرأوا العنوان ظنوا أني سوف أتحذّث
عن القتل أو الزنا أو عقوق الوالدين ، ولكنّي في الحقيقة سوف أتحدّث عن خطيئة أرى
أنها الكبرى بحق ، فهي الأكبر ضررا ، وهي مبتدأ كل شر ومنتهاه ، إنها خطيئة الكذب.
إني لأتعجّبُ كيف لا يرى الإنسانُ بأسا في أن ينسج
الأكاذيب ويروّجها بأي مبرّر ، ويمضي في الناس يحاولُ أن يجعلهم يصدّقون ما ليس
صحيحا ، ثمّ يبنون قراراتهم وتوجّهاتهم وتصوّراتهم على هذه اللا حقيقة!
لقد كنتُ في السابق أتعجّبُ من حديث النبيّ (صلى الله
عليه وسلم) حين سُئل: "أيكونُ المؤمن بخيلا؟ أيكونُ المؤمنُ جبانا؟"
فأجاب: نعم ، فقد يكون الإنسانُ مؤمنٌ ولكن به بعضُ النّواقص التي تفاضل بين البشر
، لكن حين سُئل: "أيكونُ المؤمنُ كاذبا؟" فأجاب: لا ، هكذا قاطعة وفاصلة
، فلا يستقيم الكذب مع الإيمان ، فالإيمانُ تصديقٌ للحقّ الّذي لا يقبل الشك ، ثمّ
العمل به وتبليغه للناس دون تحريف أو زيادة أو تبديل.
وقد أوضح النبي (صلى الله عليه وسلّم) أن الصدق طريق
الجنة والكذب طريق النار ، فهما طريقان منفصلان لا يلتقيان أبدا حين قال "إنّ
الصدق يهدي إلى البر ، وإن البرّ يهدي إلى الجنّة ، وإنّ الرجل ليصدق ويتحرّى
الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا ، وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي
إلى النّار ، وإن الرجل ليكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا".
وقد أثنى الله على الصادقين حين قال: "والذي جاء
بالصدق وصدّق به أولئك هم المتّقون" وحثّنا على التزام الصدق ومصاحبة
الصادقين حين قال: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين".
ولا يخفى على أحد أنّ خطيئة بني اسرائيل الكبرى التي
طردتهم من رحمة الله واستحقّوا بها أن يبعث الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى
يوم القيامة كانت خطيئة الكذب ، لما افتروا على الله كذبا ، وحرّفوا الكلم من بعد
مواضعه ، وراحوا ينشروا الأكاذيب والافتراءات هنا وهناك.
ولقد حذّرنا الشرعُ من المساعدة في نشر الأكاذيب ، فجعل
– مثلا - حدَّ قذف المحصنات بغير شهادة أربع ثقات ثمانين جلدة ، وهو ما لا يقل عن
حدّ الزنا نفسه بغير عشرين جلدة !
وكم كان الدرسُ قاسيا على جموع الصحابة وعلى بيت
النبي بصفة خاصّة حين روّج البعض لحادثة الإفك ، ثمّ تساهل البعضُ الآخر في نقل
الكلام دون تثبّت.
وكم هو رائعٌ قول النبيّ (صلى الله عليه وسلّم) :
"كفى بالمرء كذبا أن يُحدّث بكلّ ما سمع"
زال عجبي من اهتمام الشرع بالتحذير من الكذب لما رأيتُ
رجال الإعلام يروّجون الأكاذيب ، ورأيت النّاس ينشرونها دون تثبّت ، ورأيتُ قائدا
عسكريّا يفخرُ بأنّه يتحكّمُ في معنويّـات الناس بالميدان عن طريق اطلاق الإشاعات.
العجبُ كلُّ العجب فيمن يتّخذون الكذب صناعة وحرفة ،
سواء في منابر اعلامية ، أو في مواقع سياديّة أو في أجهزة مخابراتية ، والعجبُ
كلُّ العجب فيمن يستسيغون الكذبَ ويمارسونه وكأنّه أمر طبيعيّ.
وخلاصةُ القول الذي يزيلُ هذا العجب هو جوابُ النبي
(صلى الله عليه وسلّم) في الحديثُ الشريفُ ذاته "لا يــكون المــؤمـن
كــــاذبـا"!